الثلاثاء، 7 مايو 2019

دروس مجزوءة الوضع البشري الفلسفة الثانية باكالوريا كل المسالك

دروس مجزوءة الوضع البشري الفلسفة الثانية باكالوريا كل المسالك

دروس مجزوءة الوضع البشري الفلسفة الثانية باكالوريا كل المسالك

مجزوءة الوضع البشري 

الأستاذ:الزاھید مصطفى للمزید من الدروس الفلسفیة زر الموقع الإلكتروني الخاص بالمادة: جمیع المسالك الأدبیة والعلمیة

المادة: الفلسفة

دروس مجزوءة الوضع البشري الفلسفة الثانية باكالوريا كل المسالك
دروس مجزوءة الوضع البشري الفلسفة الثانية باكالوريا كل المسالك



"إننا لا نناقش موضوعا ھیّنا، إننا نناقش: كیف یعیش الإنسان... !" أفلاطون"كتاب الجمھوریة" ص 353

المجزوءة الأولى: الوضع البشري/المفھوم الأول : الشخص

 تقدیم عام للمجزوءة:
 یرادف اصطلاح الوضع البشري من الناحیة الفلسفیة مفھوم الوجود البشري، الذي یحیل على مختلف
المحددات الكبرى للوجود الإنساني والتي تحدده وتحدد أفعالھ وسلوكاتھ سواء من حیث علاقتھ بإنیتھ أو في علاقتھ
بمختلف الأغیار الذین یتقاسم معھم الحق في الحیاة الجماعیة أو في علاقتھ بالتاریخ، إن الوضع البشري ھو الحالة
التي قذف فیھا بالإنسان في ھذا العالم، بمعنى آخر، حینما نتعرض بالدرس للوضع البشري فنحن بصدد دراسة
مختلف الشروط والأبعاد التي یوجد فیھا الإنسان في ھذا العالم كي نكشف على مختلف الأبعاد المكونة لھذا
الوجود الإنساني، ویمكن مقاربة مستویات ھذا الوجود البشري من خلال:
 علاقة الشخص بذاتھ كأنا متفردة في العالم لھا ھویتھا وحریتھا واستقلالیتھا وكرامتھا، وھو ما
تتساوى فیھ مع باقي الذوات.وھو ما یفرض البحث في ماھیة ھذا الوجود الذي یوضع فیھ شخص ما (كائن
حي )في ھذا العالم.
 علاقة الشخص بباقي الأغیار المختلفین عنھ من الناحیة الفیزیولوجیة والمعرفیة والثقافیة ...والتي
تفرض علیھ طبیعة الوضع البشري أن یتعایش معھم وھو ما یؤدي بنا إلى البحث في العلاقة الممكنة بین
ھذا الشخص وباقي الأشخاص باعتبارھم أغیار یشبھونھ ویختلفون عنھ.
 علاقة الإنسان بالتاریخ بوصفھ كائن تاریخي لدیھ طوق دائم إلى إضفاء لمستھ على أحداث ومسار
التاریخ، وباعتباره كائن حر نتسائل عن ممكنات وحدود فعلھ في ھذا التاریخ. وھو ما یستدعي البحث في
قیمة ومحدودیة الفعل الذي یمكن للشخص أن یساھم بھ في حركیة التاریخ والزمن.وكذلك مدى
موضوعیة المعرفة التي یمكن أن یحققھا حول ھذا التاریخ.



مفـــــــــھـــوم الشخـــــص

 تقدیم خاص لمفھوم الشخص:
 غالبا ما یتم الخلط في تناول الشخص بین مفھومین متقاطعین ومتباینین في الآن نفسھ: یتعلق الأمر بمفھوم
الشخص ومفھوم الشخصیة، فإذا كان الحقل الإبستمولوجي الذي یؤطر مفھوم الشخصیة ھو العلوم الإنسانیة
بمقارباتھا المتعددة، الأنثربولوجیة، والسیكولوجیة، والسوسیولوجیة، فإن مفھوم الشخص تحدیدا یحیل على
المقاربة الفلسفیة وما تتضمنھ من أطروحات مختلفة ومتنوعة.
 إن التفكیر في مفھوم الشخص، ھو في الأصل تفكیر في الإنسان، وتحدیدا في معنى الشرط الإنساني، بما
یحملھ من مفارقات: المفارقة الأولى، ھي أن الشخص كائن إنساني، أي كائن لیس كباقي الكائنات الأخرى.
فالشرط الإنساني یعني من جھة أن الشخص لا یمكن أن ینفلت من كونھ كائنا حیا، لكنھ یحاول باستمرار أن
یفرض البعد الآخر لشرطھ الإنساني بما ھو إنسان تحكمھ لا الحاجات فقط، بل الرغبات والأھواء من جھة ثانیة.
فالشخص إذن تعبیر عن كون الإنسان غیر مكتف بذاتھ ولا بتكرارھا، لذا فھو غیر مطمئن لوجوده، إذ یسعى
باستمرار إلى إنكار حیوانیتھ، بحیث عمل ویعمل جاھدا على تأصیل بعد أخلاقي نابع ومؤدي في الآن نفسھ إلى
ھذه الإرادة العاقلة.
 المفارقة الثانیة، ھي أن المقاربة الفلسفیة للشخص على اختلاف أطروحاتھا، تسعى إلى التأكید على
ضرورة الحذر من اختزال الشخص في الإنسان وما ینتج عن ذلك من إغفال لامتدادات الھویة، والحذر أیضا من
اختزالھ في الانتماء الثقافي والاجتماعي وما یستتبع ذلك من انغلاق وتمركز حول الذات، بھذا المعنى دأب
الفلاسفة على مقاربة الشخص باعتباره قادرا على التفلسف والتأمل والنقد، وخلق مسافة بینھ وبین ذاتھ، بینھ وبین
العالم، بینھ وبین عالم الناس، لأنھ حامل لوعي تفكیري، لكن الشخص لا یستطیع بتفكیره إدراك كل شيء ولا
یستطیع بوعیھ التحكم في كل شيء: إنھا مفارقة الشخص الناتجة عن اللامفكر فیھ واللاوعي. ھاھنا یتجلى
الشخص لیس كموضوع، بل كخلق ذاتي وكتجربة معاشة، إنھ یتجاوز ما یعرفھ عن ذاتھ، وما یمكن أن نعرفھ
عنھ. إنھ خلق مستمر ونفي لما توجد علیھ الذات. في كلمة، إنھ رھان.

1 .مفھوم الشخص /الھویة/ الشخصیة :من الدلالة المفھومیة إلى الإشكالیة الفلسفیة:
 الشخص:
في القاموس المحیط تحیل دلالة الشخص على الظھور والارتفاع ویطلق على كل جسم/إنساني یرى من
بعید.
أما في المعجم الفلسفي لصلیبا نجد أن الشخص في عرف القدماء ھو الفرد، وفي كتاب النجاة لابن سیناء
یطلق لفظ الشخص على الصورة الإنسانیة والماھیة الإنسانیة التي یعتبرھا طبیعة مشتركة بین جمیع أشخاص
النوع" والشخص عند المنطقیین ھو الماھیة المعروضة لتشخصنات وقد غلب إطلاقھا بعد ذلك على الإنسان، أي
على الموجود الذي یشعر بذاتھ، ویدرك أفعالھ، ویسأل عنھا، وھو بھذا المعنى مقابل للشيء العیني الخالي من
الفعل والإختیار وقد فرق العلماء بین الشخص الطبیعي والشخص المعنوي:
 الشخص الطبیعي: Physique Personne ھو جسم الإنسان من حیث ھو مظھر لذاتھ الواعیة،
ومن حیث ھو تعبیر عن ھذه الذات.


 الشخص المعنوي:Morale Personne ھو الفرد من حیث اتصافھ بصفات تمكنھ من المشاركة
العقلیة والوجدانیة في العلاقات الإنسانیة، ومن شرط الشخص القدرة على التمییز بین الحق والباطل وبن
الخیر والشر، وأن یكون قادرا على التقید بالعوامل التي تجعل فعلھ معقولا في نظر الناس.
في موسوعة لالاند الفلسفیة نجد عودة إلى جنیالوجیة للمفھوم الذي تشكل منذ الیونان انطلاقا من المسرح،
فالشخص Persona اسم یطلق على القناع المسرحي الذي یرتدیھ الممثل لأداء دور معین على الخشبة، نجد
لدى لالاند أیضا تمییز بین الشخص المعنوي والشخص الطبیعي، فالأول یتحدد بالوعي والفعل الأخلاقي الحر
والمسؤول والثاني یحیل على الجسد الإنساني لكن الأھم عند لالاند أن ھذا الجسد الإنساني یكون بمثابة تجسید
معنوي لھذا الشخص وھو المعبر عن سمتھ، فكلمة شخص حتى حین نطلقھا بمعنى یشیر للجسد لا یمكن قولھا
على جسم الحیوان فھي خاصة بالانسان، إن كلمة شخص بالعودة إلى المعنى المتداول لھا في العصر الوسیط ھي
لفظ یطلق على الكائن الإنساني عندما یستوفي الدرجة الدنیا من التمییز الأخلاقي بین الأفعال الصادرة عن وعیھ
وردود أفعالھ الغریزیة، إن مفھوم الشخص في الفلسفة یستعمل بالمعنى الأجل عن الإنسان لما یتصف بھ من بعد
أخلاقي في علاقتھ بذاتھ وبالآخرین.
 الھویة:
 یعني مفھوم الھویة ما تقتضیھ الضرورة المنطقیة لكي تكون ھناك قضیة ما صادقة أو كاذبة، ویقتضي
مبدأ الھویة مبدأ التناقض ومبدأ الثالث المرفوع، فمبدأ التناقض یعني أن الشيء لایمكنھ أن یكون موجودا وغیر
موجود في نفس الآن، وأما مبدأ الثالث المرفوع فیعني القول أن القضیتین المتناقضتین لایمكن أن تكونا صادقتین
معا أو كاذبتین معا، ومن شروط الضرورة المنطقیة التي یعبر عنھا مبدأ الھویة:1-أن یكون المعنى المتصور
محددا وثابثا، فلا یتغیر بحال/2 -أن یكون الحق حقا والباطل باطلا دائما والأبیض أبیضا والأخضر أخضرا ...وفي
مختلف الأحوال، فلا یتغیران بتغیر الزمان والمكان/3-أن یكون الوجود بالحقیقة ھو عین ذاتھ فلا یتغیر، ولا
یختلط بھ غیره. وھذا لا یصدق إلا على الموجود المثالي الذي یتجھ إلیھ العقل (یقصد المفاھیم والتصورات ولیس
الأشیاء المحسوسة).إن ھویة الشيء ھي خصائصھ الثابتة التي لا تتغیر مھما تغیرت أعراض وصور ھذا
الشيء، فھویة الشيء ھي ماھیتھ وجوھره وحقیقتھ الثابتة.
 الشخصیة:
 یشیر لفظ الشخصیة المشتق من المصدر "شخص" في لغة التداول الیومیة على حكم قیمة نحدد من خلالھ
مكانة وقیمة شخص ما بالنسبة للآخرین، ویكون أساس ھذا الحكم ھو الإستناد إلى معاییر مادیة تجد أساسھا إما في
الجانب الجسدي أو اللباس أو الوظیفة التي یشغلھا فرد ما في المجتمع( محام/وكیل ملك/قاض/ أستاذ/شرطي...)
كما قد نقول في لغة التداول " ھذا شخصیة مرموقة /مشھورة...) ویكون ھذا الحكم مؤسس على البعد الرمزي
للفرد وعلى إشعاعھ الثقافي أو السیاسي أو الریاضي...أما الدلالة المعجمیة فنجد في روبیر Robert ولالاند
lalande ومعجم larousse أن ھناك اتفاق على أن للشخصیة معنیین أساسیین: "معنى مجردا وعاما یجعلھا
خاصیة كائن یكون شخصا أخلاقیا أو قانونیا مسؤولا" ومعنى محسوسا یكمن في ما یمثلھ الشخص من خاصیات
أخلاقیة سامیة، یتمیز بھا عن مجرد الفرد البیولوجي وتشكل العنصر المنظم والثابت في سیرتھ وما ھو علیھ عادة
مما یمیزه عن غیره لیشكل الجانب الأصیل من أناه"، فإذا كان المعنى الأول، المجرد، یؤكد على أن الشخصیة
ھي خاصیة كل كائن بشري من حیث ھو شخص مسؤول أخلاقیا وقانونیا، بقطع النظر عن مكانتھ الاجتماعیة،
فإن المعنى الثاني، المحسوس، یؤكد على طابع الخصوصیة الذي یمیز شخصیة كل فرد بحسب ما ینفرد بھ
كشخص إزاء الغیر. 

 مفارقات :
 ما یمكن الخلوص إلیھ من ھذه التحدیدات ھو أنھ إذا كان مفھوم الشخص یحیل على الذات الواعیة والحرة
والأخلاقیة والمسؤولة باعتبار ھذه الأبعاد ھي ما یحدد ھویة وماھیة وجوھر الشخص فإن الشخصیة تغدوا آنئذ
ھي المظھر الخارجي الذي یعبر عن كیان الشخص، بإیجاز إن الشخص ھو جوھر داخلي في حین أن الشخصیة
ھي نافدة ھذا الجوھر على العالم والآخرین.
 من خلال تحدیدنا لمختلف الدلالات التي تحیل علیھا المفاھیم المرتبطة بالشخص یمكن أن نلاحظ :
 الدلالة اللغویة للشخص تعطیھ بعدا مادیا یرتبط بالظھور والبروز للعیان، وھنا نكون أمام تصور
للشخص یحصره في مستوى الجسم الشاخص(الظاھر والبارز) أمام العین المجردة.
 في الفلسفة الإسلامیة والمسیحیة ینظر للشخص على أساس تیولوجي(دیني) فكلما كان الشخص
أكثر امتثالا لتعالیم الدین الإسلامي أو في المسیحیة (الدین المسیحي) كلما نظر إلیھ باعتباره نموذجا
للشخص الذي یحتدى.
 في الدلالة اللاتینیة نلاحظ تحولا في المعنى الذي یشیر إلیھ مفھوم الشخص فلم یعد مرتبطا
بالجسم بل بالدور (الوظیفة ) الذي یؤدیھ على خشبة المسرح وعلى مسرح التاریخ والمجتمع.
 في الدلالة الفلسفیة یصبح شرط الوعي والحریة والتمییز الأخلاقي بین الخیر واحترام القانون
والبیئة (الشخص الایكولوجي) ھو ما یعطي للشخص ھویتھ وقیمتھ.
 نلاحظ أن مفھوم الشخص یتداخل مع مفھوم آخر أساسي ھو الشخصیة، فإذا كان الشخص ھو
جوھر مفكر وذات واعیة وحرة ومستقلة وأخلاقیة فإن الشخصیة ھي التعبیر الخارجي عن ھذا المضمون
"الھووي/الجوھري" لأنھا مجموع الممیزات والصفات التي تمیز ھذا الشخص باعتباره "أنا" واعیة
ومفكرة وحرة ومستقلة وأخلاقیة و حقوقیة وإیكولوجیة، ومن ھنا تطرح صعوبة تحدید ھویة الشخص: ھل
ھي مجموع الصفات والممیزات الخارجیة التي نجدھا متغیرة من شخص لآخر أم ھي الجوھر الداخلي
الواعي الذي یصعب علینا إدراكھ أو معرفتھ لكونھ محجوبا علینا من طرف القناع(الشخصیة) الذي یقدم
بھ الشخص ذاتھ للعالم والآخرین؟
 نلاحظ كذلك أن مفھوم الھویة الذي یحیل على التطابق: یضعنا أمام مفارقات عدیدة فمن جھة
یعتبر الشخص وحدة صوریة میزتھا الفكر والوعي والفعل الأخلاقي الحر والمستقل عن أي إرادة خارجیة
ومن جھة نجد مجموعة من السلوكات التي یعبر فیھا الشخص أحیانا بجسده وأفعالھ وسلوكاتھ ھي ما
یحدد مكانتھ وقیمتھ داخل المجتمع، فمن جھة یعتبر الفكر والوعي والحریة مفاھیم صوریة مجردة في
حین تعتبر الأفعال والسلوكات وقائع مادیة ملموسة، فأین توجد ھویة الشخص ھل في عالمھ الصوري
الخالص البعید عن باقي الذوات وھو عالمھ الداخلي الذي یفكر فیھ بمعزل عن الآخرین أم أن ھویتھ
مستمدة من جملة الأفعال والسلوكات التي یعبر بھا في الواقع المعیش والتي تكوّ ن على العموم
شخصیتھ؟.
 یتبین من خلال ذلك أیضا أن وحدة الشخص تفرض نوعا من العزلة الأنطولوجیة(الوجودیة) لكي
یمارس الشخص قناعاتھ، لكن ضرورة "العیش بالمعیة"مع الآخرین تفرض على ھذا الشخص أن یغیر
ویكیف من تصوراتھ وسلوكاتھ مع ما یقبل بھ المجتمع وما یسمح بھ القانون، وفي ھذا الصدد تصبح حریة
الشخص واستقلالیتھ محط منازعة بین ما یرغب فیھ ویریده الشخص وبین ما یتیحھ ویسمح بھ المجتمع،
ففي ھذا السیاق یصبح سؤال الحریة والضرورة مطلبا للفحص الفلسفي لكي نرى إلى أي حد یمكن للفرد أن یحقق حریتھ في ظل نسق من العلاقات الإجتماعیة التي تمارس نوعا من الإكراه علیھ؟ فإذا لم یكن ھذا
الشخص حرا ومستقلا بذاتھ فعلیھ الاستقالة من أي فعل أو التزام أخلاقي تجاه المجتمع والتاریخ أما إذا
كان حرا فھذا یعني أن إمكانیة الفعل والإلتزام متاحة وممكنة؟
 إنطلاقا من ھذه المفارقات الفلسفیة التي تضعنا أمامھا الدلالات اللغویة واللاتینیة والفلسفیة لكل من مفھوم
الشخص /الھویة/الشخصیة یمكننا صیاغة الإشكالیات الفلسفیة المرتبطة بمفھوم الشخص:

 الإشكالیة الفلسفیة لمفھوم الشخص:
ما الشخص؟ وما ھویتھ الشخصیة ؟ ھل یستمدھا من كونھ جسم وسلوك وفعل ودور یقوم بھ في الحیاة؟
أم ھویتھ الشخصیة ھي جوھر و وعي وتفكیر وحریة واستقلالیة عن الآخرین؟بعبارة أدق ما الواقعة التي تسمح
للشخص أن یظل ھو نفسھ رغم التغییرات التي قد تطالھ خلال مسیرتھ الحیاتیة؟ ومن أین یستمد الشخص قیمتھ؟
ھل من مطابقتھ وانغلاقھ واستقلالھ عن العالم؟ أم من خلال انفتاحھ والتزامھ الأخلاقي الدائم تجاه العالم
والآخرین؟وھل الشخص حر في سلوكاتھ وأفعالھ وأفكاره أم مجبر بحتمیات (نفسیة واجتماعیة وثقافیة )تحدد وتقید
فعلھ والتزامھ تجاه المجتمع وحركیة التاریخ؟.
المحور الأول: ما الشخص؟
ملاحظة مھمة:
لكي نجیب على الإشكالات التي طرحناھا، وفیما یخص المحور الأول الذي یجب أن نكون دقیقین في تجاوز
الخلط الذي یطال تناول ھذا المحور في بعض الأحیان حسب التصنیف الذي قدم بھ في الكتاب المدرسي، یجب
الانتباه أن التساؤل حول مفھوم الشخص تارخیا سابق على تحدید ھویتھ الشخصیة لذلك سنجعل تصور بلیز
باسكال ھو نقطة الانطلاق لكي نؤسس علیھا باقي التصورات:
موقف بلیز باسكال / من خلال نص صفحة 14 من الكتاب المدرسي
الشخص جوھر لا یمكن معرفتھ:
 ینطلق باسكال من طرح مجموعة من الأسئلة یمیز من خلالھا الشخص باعتباره جوھرا/نفسا والشخصیة
باعتبارھا أعراضا ثانویة/جسم/صفات خارجیة یتجلى من خلالھا ھذا الشخص لباقي الأشخاص، ومن ھنا نجد مع
باسكال أنھ یصعب تحدید مفھوم الشخص لأن كل ما نعرفھ ھو أعراض خارجیة لشخصیة الشخص، فالشخص
عند باسكال باعتباره "أنا" تتوارى خلف الشخصیة التي ترى للعین و ینفلت من محاولاتنا لإدراكھ و معرفتھ وكل
ما یمكننا معرفتھ ھو الصفات والسلوكات الممیزة للشخص والقابلة للزوال، وھنا نلاحظ التأثیر الأفلاطوني في
فكر باسكال الذي أقام ھو أیضا تعارضا بین وحدة النفس ووحدة الجسم في محاورة فیدون فالنفس/الشخص
باعتبارھا جوھرا لا یعرف طریقھ للخلاص إلا حین یتحرر من عوائق الجسد باعتباره عرضا زائل.إن الشخص
عند باسكال جوھر لایمكن معرفتھ أو إدراكھ.وھو ما بینھ من خلال مثال النظرة التي أكد من خلالھا أنھا لا تمكنني من إدراك "أنا" الشخص ومعرفتھا بل تضعني فقط أمام ما یتجلى منھ وھو جسمھ وسلوكاتھ وصفاتھ
الخارجیة، كما أعطى مثالین للحب الذي یتأسس على الجمال باعتباره عرضا أو على قوة الأحكام العقلیة التي تظل
فقط صفات قابلة للتلف والتلاشي . وبالتالي فما ندركھ ونعرفھ عن بعضنا البعض وفي بعضنا ھو صفات معینة
ولیس الأنا كما تصورھا دیكارت باعتبارھا جوھرا متمایزا عن الجسم الذي سیظل عبارة عن آلة متغیرة لا
یمكنھا التعالي عن الزمان والمكان.
موقف إمیل دوركایم: الشخص باعتباره تجلي وبناء اجتماعي:
 ینطلق إمیل دوركایم في كتابھ"التربیة والسوسیولوجیا" من نفي أي وجود للشخص الذي حددتھ المقاربة
الفلسفیة كجوھر متفرد ومتعال ومنعزل عن الواقع الإجتماعي، فعلى مستوى الإنسان ككائن حي یوجد
كائنین"الأول یتكون من مجموع التجارب الذاتیة الخاصة ویسمى الفرد والثاني ھو عبارة عن نسق من الأفكار
والمعتقدات الدینیة والممارسات الأخلاقیة والعادات الوطنیة والمھنیة والآراء الجماعیة ویسمى الكائن الإجتماعي
الذي یتشكل وینشئ عن طریق التربیة، فالشخص لیس معطى جاھز یبنى في نوع من العزلة الأنطولوجیة، بل ھو
نتاج وتجل لنظام التربیة والتأھیل والتنشئة الإجتماعیة، إن الشخص في العلوم الإنسانیة مع دوركایم ھو تجل
اجتماعي.بعبارة أخرى فحسب دوركایم لا نولد أشخاصا ولا وجود للشخص كجوھر مفكر ومتعال ومستقل كما
تصورتھ الفلسفة الدیكارتیة لأننا حسب دوركایم نولد فقط عبارة عن كائنات حیة(صفحات بیضاء بتعبیر جون
لوك) وعن طریق التربیة والتنشئة الإجتماعیة التي تتدخل فیھا مجموعة من المؤسسات الإجتماعیة من قبیل -
الأسرة والمدرسة والإعلام والشارع- والتي تزودنا بقواعد السلوك واللغة والأخلاق والعادات والتقالید لكي نصیر
أشخاصا في المستقبل، إننا لانولد أشخاصا بل كائنات حیة(بیولوجیة) وعن طریق التربیة نصیر أشخاصا حسب
دوركایم.

المحور الثاني : الشخص والھویة الشخصیة

 إذا كان الشخص نتاج ثقافي، یخترق تاریخ الإنسانیة عموما وتاریخ الفلسفة على الخصوص، ولأنھ كذلك
فقد اعتبرت التربیة العدة التي من خلالھا یتجذر ویتطور مفھوم الشخص. علما أن الشخص ھو تعبیر لیس فقط عن
انتماء للجماعة، ولكن عن تفرد خاص، لیس لأنھ ضد الجماعة، بل لأنھ یرید أن یكون متمیزا داخلھا، فبقدر ما أن
الشخص نتیجة للتنشئة الإجتماعیة، بقدر ما یرسم مساره الفردي والنفسي الخاص. إنھ یصارع لا من أجل أن یوجد
فقط، بل من أجل أن یفرض ذاتھ وسط عالم الآخرین، ومن أجل أن یتحرر من كل السلط بما فیھا سلطة فكره، فإذا
كان مبدأ الھویة الشخصیة من الناحیة الإصطلاحیة یقتضي أن یحقق الشخص نوع من التطابق الذي قد یفضي بھ
إلى الإنغلاق على العالم لكي یحافظ على ھویتھ لكن ضرورة "العیش بالمعیة" تفرض نوع من الخروج من
التمركز حول الذات لمشاركة الآخرین تجاربھم والانخراط معھم في بناء العالم، وفي ھذا البناء یبني الشخص
شخصیتھ ویكتسب ھویتھ من تفرده عن باقي الأشخاص وشخصیاتھم، فلا أحد ینكر أن الشخص یتعرض في حیاتھ
لسلسلة من التحولات، تسھم في إحداث تغیرات جذریة على مستوى جسمھ، وفكره، لكن خلف ما یتعرض لتبدل
وتحول ھناك عنصر ما یبقى دائما ھو ھو، أطلق علیھ اسم" الھویة" ذلك أن ثمة عناصر لا یمكن أن یطالھا
التعدیل وھي التي تعطي للشخص ذاتیھ وخصوصیتھ.
 على ھذا الأساس نطرح الإشكال الآتي : ما ھویة الشخص؟ ومن أین یستمد الشخص ھویتھ ھل من كونھ
جوھرا عاقلا ومفكرا وواعیا ومستقلا وأخلاقیا وحقوقیا أم یستمدھا من انتمائھ الثقافي والسیاسي و الإثني ومن
مكانتھ ووظیفتھ الاجتماعیة؟ بعبارة أخرى ما ھو ھذا الشيء الذي یظل ثابتا في الشخص والذي یستمد منھ ھویتھ
مھما تغیر دوره وانتمائھ ووظیفتھ الاجتماعیة؟ھل ھویة الشخص قائمة على المطابقة والتمركز حول الذات أم
ھویتھ مستمدة من انفتاحھ الدائم على العالم والآخرین؟.ھل یكفي القول بمعیار الفكر والوعي والشعور والقدرة
على التذكر كأساس للھویة الشخصیة أم أن للإرادة دور في تحدید ھذه الھویة الشخصیة؟
التصور الدیكارتي: ھویة الشخص كامنة في كونھ جوھر مفكر

 نظرا لتأثیر الذي مارستھ الثورة الكوبرینیكة على فكر رونیھ دیكارت فھذا الأخیر وجد نفسھ في حالة من
عدم الیقین والحیطة والحذر من التصورات الفلسفیة الأرسطیة، لكنھ رغم محاولاتھ لقلب تاریخ الفلسفة وإیجاد
أساس متین للحقیقة لا یطالھ الشك فإن ھذا المسعى قاده للارتماء في أحضان الإرث الأرسطي حینما ربط دیكارت
ھویة الشخص بمدى مطابقتھ لذاتھ وبقدرتھ على التفكیر والوعي في استقلالیة عن العالم وعن باقي الذوات،
وبالتالي فالشخص لا یصیر شخصا ولا یحافظ على ثباثھ وھویتھ في الزمان والمكان إلا إذا كان قادرا على
استخدام فكره وعقلھ استخداما منھجیا وفي استقلالیة عن العالم وباقي الأغیار، فمادام الجسم لیس سوى ألة حسب
دیكارت فلیس بإمكانھ أن یكون أساسا لھویة الشخص رغم كون ھذا الجسم مرتبط بالنفس عند دیكارت والتي
یعتبرھا دیكارت إلى جانب الجسم جوھرین متمایزین عن بعضھما، لكن الجسم یظل عبارة شيء كباقي الأشیاء
الموجودة في العالم في حین ھویة الإنسان وجوھره ھو كونھ "أنا مفكرة" وجوھرا ھو النفس متمیز بالتفكیر
والقدرة على الشك والإثبات والنفي وفي ھذا الصدد یقول دیكارت"أنا أفكر،أنا موجود".
الموقف الفلسفي التجریبي:تحلیل نص جون لوك من خلال الكتاب المدرسي في رحاب الفلسفة ص 15
التعریف بصاحب النص:
 جون لوك Locke John ولد سنة 1632 -1704 وھو فیلسوف تجریبي ومفكر سیاسي إنجلیزي.

أھم أعمالھ:
محاولة في فھم الإنسان
الحكومة المدنیة

البنیة المفاھیمیة للنص:
الشخص: كائن مفكر،عاقل قادر على التعقل والتأمل، وعلى الرجوع إلى ذاتھ باعتبار أنھا
مطابقة لنفسھا.
الشعور: ھو القدرة على الإحساس و تعقل العالم الخارجي
الھویة الشخصیة : وتحیل حسب لوك على ما یجعل الكائن ھوھو عبر الزمان والمكان
عبر الحاضر والماضي.
 یتضح من خلال البنیة المفاھیمیة للنص أن جون لوك یربط بشكل وثیق بین ھویة الشخص والقدرة على
الشعور بالعالم الخارجي.

إشكال النص:
 من أین یستمد الشخص ھویتھ ھل من كونھ ذاتا واعیة ومفكرة ومتأملة أم من كونھا ذات لدیھا القدرة على
الإحساس والشعور بذاتھا وبالعالم المحیط بھا؟
الأفكار الأساسیة للنص:
 ینطلق جون لوك من تعریف مفھوم الشخص بكونھ ذاتا مفكرة وعاقلة ومتأملة وقادرة على تعقل
العالم باستقلال عن باقي الذوات، لكن ھذا الفكر الممیز للشخص یظل مقترنا وممتلئا بمعطیات
الشعور(القدرة على الإحساس).
 ینتقل جون لوك لیعطي مثالا یبین من خلالھ الإرتباط الوثیق بین أحاسیس الشخص وبین معارفھ،
فلا یمكن للشخص أن یعرف حسب جون لوك إلا ما یمكنھ أن یحس بھ.
 ینتھي جون لوك إلى التأكید على أن ما یكون الھویة الشخصیة للشخص ھو قدرتھ على الإحساس
والشعور والتذكر لتجاربھ وإحساساتھ السابقة فلیس ھناك جوھر ممیز لھذه الذات كل ما ھناك ھو قدرة
الذات على الإحساس وتذكر تجاربھا عبر الزمكان.
الأطروحة:
 في كتابھ "محاولة في الفھم الإنساني" تعرض جون لوك لمسألة الھویة الشخصیة حیث أكد على أن ما
یحدد ھویة الشخص ھو قدرتھ على الشعور والإحساس بالعالم الخارجي، فلیس ھناك ھویة ثابتة لدى الشخص
ومعطاة بشكل قبلي بل الھویة ھي ثمرة للانطباعات وأحاسیس وتجارب الذات التي لا یمكنھا أن تعرف أي شيء
عن نفسھا بمعزل عن قدرتھا على الإحساس، وبالتالي فما ھو ثابث في الشخص ھو تمیزه بكونھ قادرا على تذكر
ما كان علیھ في الماضي والحاضر، إذ ھذه الذات تولد صفحة بیضاء وكل ما تعرفھ لاحقا ھو ما خطتھ التجربة والشعور.وعلى على ھذا الأساس فالذاكرة لیست معطى فطریا بل ھي بمثابة وعاء یملئ ویشكّل بتجارب الشخص
وأحاسیسھ وأفكاره وتمتلاثھ وتصوراتھ، وكل ما ظل ھذا الشخص قادرا على تذكر ھذه التجارب والأحاسیس كلما
حافظ على ھویتھ وثباثھ ووحدتھ في الزمان والمكان.
تحلیل نص شوبنھاور من خلال الكتاب المدرسي في رحاب الفلسفة ص 15
الأفكار الأساسیة للنص(عناصر الأطروحة)
 ینطلق شوبنھاور في بدایة النص من نفي أن یكون الجسم ھو ما یحدد ھویة الشخص لأنھ مجرد
عرض زائل ومتغیر في حین أن ھویة الشخص عند شوبنھاور مرتبطة بما ھو ثابث في ھذا الشخص
مھما تغیرت أعراضھ(الجسم/السن/الشكل/اللون...).
 ینتقل شوبنھاور لیحدد ممیزات الھویة ویحددھا بما یحافظ للشخص على ثباتھ كما یوجھ نقدا
جذریا لفلسفات الوعي التي أكدت على أن ھویة الشخص مرتبطة بقدرتھ على التفكیر (الفلسفة
الدیكارتیة)أو بقدرتھ على التذكر والشعور بالتجارب الماضیة (الفلسفة التجریبیة مع لوك)وكلھا محددات
معرضة للتلف والتحول ویطرح شوبنھاور عوض ذلك مفھوم الإرادة باعتباره ھو ما یحدد ھویة الشخص
والوجود.
 ینتھي شوبنھاور لیوضح أن فعل المعرفة لا یمكن أن یكون ھو أساس ھویة الشخص لأنھ مجرد
وظیفیة من وظائف الدماغ التي قد تصاب بالتلف فھویة الشخص لیست قدرة على المعرفة أو الشعور
والتذكر بل ھي إحساس ترانسندنتالي یتعالى على التجربة والزمان المكان یدفع بالإنسان إلى أن یرغب
ویرید أو لا یرید.
الأطروحة:
 یدافع شوبنھاور في نصھ على أن أساس ھویة الشخص لا یمكن أن یكون ھو الجسم أو الجسد لأنھ عرض
متغیر، كما ینفي أن تكون الذاكرة أو الشعور لأنھا قدرات معرضة للتلف، كما ینفي أن تكون القدرة على إنتاج
المعرفة ھي ما یحدد ھویة الشخص بل ھویة الشخص عند شوبنھاور مستمدة من الإرادة باعتبارھا ما یحدد ھویة
الشخص، والإرادة عند شوبنھاور لا تعني الفعل الواعي المسترشد بالعقل، بل ھي إرادة الحیاة التي تعبر عن
نفسھا كاندفاع أعمى لا عاقل نحو الحیاة، فالإرادة عند شوبنھاور ھي أن نرید وأن نرغب ومن ثم فالإرادة ھي
الرغبات والاندفاعات والمیولات من كل نوع، وھي تمتد فیما وراء الحیاة الواعیة لتشمل أیضا الحیاة اللاواعیة
والطبیعة اللاعضویة كذلك، والإرادة عند شوبنھاور لیست فردیة بل ھي تتعالى على العقل الفردي لتشمل السواد
الأعظم لأنھا لیست مرتبطة بالضرورة بذات عاقلة وواعیة، بل ھي ما یتعالى على المعرفة والوعي وفي ھذا
الصدد یقول شوبنھاور في كتابھ العالم إرادة وتمثل: "فالإرادة تتجلى في قوى الطبیعة اللاعضویة كما ھو الحال -
على سبیل المثال- في قوة الجاذبیة التي تجذب الحدید إلى المغناطیس والأرض إلى الشمس وتتجلى في الطبیعة
العضویة في كافة درجاتھا بدءا من النبات حتى الإنسان الذي تقترن فیھ الإرادة بالمعرفة والوعي، غیر أن ھذا
لا یعني أن الإرادة في حالة الإنسان تصبح عاقلة، لأن عقل السواد الأعظم من الناس یكون تابعا لإرادتھ وفي
خدمتھا، فنحن لا نرید شیئا لأننا وجدنا أسبابا لھ، وإنما نجد أسبابا لھ لأننا نریده، وبوجھ عام لم یتمكن أحد أن
یقنع أحدا بالمنطق، أو بالعقل أو بالتصورات المجردة، فلكي یقنعھ یجب أن یخاطب إرادتھ". ولا یستطیع
التخلص من قھریة الإرادة حسب شوبنھاور إلا الفنان المبدع الذي یتحرر من الإرادة وقتیا أثناء رؤیتھ الإبداعیة
التي تصبح معرفة خالصة نزیھة ومتحررة من عبودیة الإرادة، والزاھد القدیس الذي یتحرر من عبودیة الإرادة
بشكل دائم من خلال وأد رغباتھ، إن الإرادة عند شوبنھاور تعبر عن نفسھا بوصفھا اندفاع أعمى لا عاقل نحو الحیاة، من خلال كفاح أبدي وصراع لا یھدأ من أجل حفظ حیاة الفرد وبقاء النوع، وھو كفاح وصراع لا یتوقف
إلا بالموت ولكن الموت لا ینھي معاناة وشقاء الإنسان(أو البشر) لأنھ ینھي فحسب الإرادة كما تتجلى في الفرد
ولكن الإرادة تواصل وجودھا في النوع البشري ومن ھنا فوحدھا الإرادة ما یشكل ھویة الشخص سواء كان فردا
أو جماعة.

قیمة الشخص؟
تقدیم عام للمحور:
إن المتأمل لھذا العالم یلاحظ بأنھ یمكننا أن نستخدم جمیع الأشیاء في ھذا العالم، انطلاقا من
النبات إلى الحیوان دون أن یصدر عن ھذه الأخیرة أي رد فعل خاص بھا مادامت عبارة عن أشیاء
أو موجودات تتقبل طبیعتھا بشكل تلقائي، لكن على خلاف ذلك فالكائن الحي ینفي ویرفض أن
یوظف مثل باقي الأشیاء في الطبیعة، لذلك نجده یطالب بضرورة احترامھ وتقدیره.
إن ھذا المطلب الذي یرفعھ الكائن الحي ضد باقي الأغیار والذي یوحي بأن ھذا الكائن حامل
لقیمة ما تجعلھ یرفض أن یعامل مثل موجودات الطبیعة كما یقول ھیغل في كتابھ"الإستطیقا" ھو ما
أعطى المشروعیة للفلاسفة لكي یسائلوا الأساس الذي یبني علیھ الكائن الحي ھذا المطلب الذي
یلخص في ندائھ الدائم"احترموني فلست شيء أو بضاعة". فمن أین یستمد الشخص قیمتھ؟ ھل
انطلاقا من كونھ شخصا مالكا للوعي والفكر والحریة والأخلاق والحقوق أي باعتباره غایة في
ذاتھ أم من كونھ وسیلة یمكن توظیفھا لأجل غایات أسمى منھ؟(مثلا ما تقتضیھ مصلحة الدولة في
علاقتھا بالجندي).
الإشتغال على نص بدیل داخل الفصل لإمانویل كانط /مقتطف من كتابھ تأسیس میتافزیقا
الأخلاق
الأفكار الأساسیة للنص:
یرفض إمانویل كانط النظر للإنسان من الزاویة البیولوجیة الصرفة لأننا بھذه النظرة
نكون قد حططنا من قیمتھ وجعلناه شبیھا بالحیوان.
ینتقل إمانویل كانط لیبین لنا جوانب القصور في التصور الذي یقیم الإنسان من خلال
امتلاكھ لملكة الفھم(القدرة على إنتاج المعرفة وتنظیم معطیات الحساسیة/التجربة) ویرفض
كانط أن ننظر للإنسان باعتباره ذاتا عارفة لأن ھذا التصور سیجعل من الإنسان بضاعة
ویضرب في العمق مبدأ المساواة بین الناس.
یبین كانط أن ما یسمو بقیمة الإنسان عن الأشیاء ھو النظر إلیھ باعتباره شخصا أي
ذاتا أخلاقیة حاملة لعقل عملي/أخلاقي، ومالكا لكرامة تجعل منھ غایة في ذاتھ ولیس وسیلة
یمكن استخدمھا من طرف أي ذات حسب رغباتھا و مصالحھا.
تصور امانویل كانط : الشخص غایة في ذاتھ
یوجھ إیمانویل كانط في كتابھ "تأسیس میتافزیقا الأخلاق "للتصورات الأخلاقیة العرفیة القائمة
على العادة والعرف لأنھا تحدد قیمة الإنسان من الزاویة البیولوجیة الصرفة، وھو ما یحط من قیمتھ ویجعلھ شبیھا بالحیوان كما یوجھ نقدا للتصورات المعرفیة التي تنظر لقیمة الإنسان انطلاقا من كونھ
مالكا لملكة الفھم، أي ذاتا عارفة قادرة على إنتاج المعرفة وتنظیم معطیات التجربة لأن تقدیر
الإنسان واحترامھ فقط لكونھ قادرا على إنتاج المعرفة سیجعلنا نخل بمبدأ المساواة في النظر للإنسان
وھو ما سیجعل منھ سلعة قابلة للتقویم بسعر من الأسعا، ولم یقف إمانویل كانط عند ھذا الحد، بل
وجھ نقدا لاذعا للتصورات النفعیة التي تنظر للإنسان من زاویة المنفعة والمصلحة التي یمكن أن
یقدمھا للذات، ویطرح لنا كانط تصورا بدیلا یمكنھ أن یسموا بالإنسان على الأشیاء والحیوانات،
فحین ننظر للإنسان باعتباره شخصا أي حاملا لعقل أخلاقي/عملي یمكنھ حینھا وفقط أن یستمد قیمتھ
انطلاقا من كونھ غایة في ذاتھ ولیس وسیلة قابلة للاستخدام من طرف أي ذات حسب مصالحھا
ورغباتھا، فالنظرة للإنسان باعتباره شخصا، تجعلنا نقدره ونحترمھ باعتباره حاملا لكرامة غیر
قابلة للتقییم بسعر، وأي حط أو اعتداء على كرامة الإنسان ھو اعتداء على الإنسانیة جمعاء وھو ما
یؤكده كانط بقولھ في كتابھ "تأسیس میتافیزیقا الأخلاق":"عندما نعتبره شخصا، أي كذات لعقل
أخلاقي عملي، سنجده یتجاوز كل سعر.وبالفعل لا یمكن أن نقدره بوصفھ كذلك أي بوصفھ شیئا
في ذاتھ-كوسیلة لتحقیق غایات الآخرین أو وسیلة لتحقیق غایاتھ الخاصة-، بل یمكن تقدیره كغایة
في ذاتھ. وھذا یعني أنھ یمتلك كرامة،وبامتلاكھ لھذه القیمة یرغم كل الكائنات العاقلة الأخرى على
احترام ذاتھ".
البنیة الحجاجیة للنص:
انسجاما مع روح الخطاب الفلسفي باعتباره خطابا حجاجیا أسس إمانویل كانط لأطروحتھ
بالإنطلاق في بدایة النص من عرضھ للتصور العرفي الذي ینظر للإنسان من الزاویة البیولوجیة
الصرفة ویتمثل ذلك في قولھ"یعتبر الإنسان داخل نظام الطبیعة- كظاھرة من ظواھر الطبیعة
وكحیوان عاقل-كائنا غیر ذي أھمیة قصوى"فإمانویل كانط من خلال توظیفھ لأسلوب العرض في
بدایة النص یھدف إلى توضیح حدود التصور العرفي الذي یحصر الإنسان داخل الزاویة البیولوجیة
وھو ما یحط من قیمتھ، لكن إمانویل كانط لایكتفي بالعرض بل یوظف الاستدراك الذي یتغیى من
خلالھ عرض وجھة النظر المعرفیة التي تقیّم الإنسان باعتباره ذاتا عارفة وھو ما یجعلھ شبیھا
بالسلعة المعروضة في السوق ویبدوا ذلك واضحا في قول كانط" لكن إضافة إلى امتلاكھ ملكة
الفھم-الشيء الذي جعلھ یسمو على جمیع الكائنات الأخرى، وقادرا على تحدید غایات لنفسھ-لایكسب
بذلك إلا قیمة خارجیة نفعیة"، وبعد عرضھ لكل ھذه التصورات یستنتج كانط أن السمو بالإنسان
باعتباره غایة في ذاتھ ولیس وسیلة رھین بالنظر إلیھ باعتباره شخصا، حاملا للإنسانیة في شخصھ
وھو ما یبدوا واضحا في قولھ"وھكذا تكون الإنسانیة التي تكمن في شخصھ موضوع احترام یمكنھ
أن یلزم بھ كل الآخرین .
تصور جورج غوسدروف:الشخص یستمد قیمتھ من المشاركة والتضامن 
ینطلق غوسدروف في تصوره لقیمة الشخص من إعادة النظر في جمیع التصورات الفلسفیة
والسیاسیة للقرن الثامن عشر وخاصة التصورات اللبرالیة التي ركزت على إعطاء قیمة للفرد على
حساب الجماعة، ھذه النزعة الفردیة التي كان تقدیسھا یخفي أبعادا ایدیولوجیة غایتھا الدفع بالفرد
لكي یتحرر من كل التزام أخلاقي تجاه المجتمع، مفكرا فقط في مصالحھ وأھدافھ الشخصیة،
وعوض ذلك یؤكد غوسدروف على أن ما یمیز الشخص الأخلاقي ھو القدرة على الوعي بوھم
الفردانیة الذي تسعى الأنظمة اللیبرالیة تكریسھا والإتجاه نحو الإندماج والمشاركة مع الآخرین في
بناء عالم یسوده التضامن بین جمیع أفراده، وعلى ھذا الأساس تصبح قیمة الشخص مرتبطة بقدرتھ
على التعبیر الفعلي والعملي في الواقع عن تضامنھ ومآزرتھ والتزامھ تجاه الآخرین أخلاقیا وسیاسیا
من أجل تحریر العالم من الأوھام التي ترغب الرأسمالیة في تكریسھا عن طریق مختلف وسائلھا
الإیدیولوجیة وفي ھذا الصدد یقارن بین الفرد الذي یعیش أوھاما باعتقاده "أنھ امبراطور داخل
إمبراطوریة، فیضع نفسھ في مقابل العالم وفي تعارض مع الآخرین، بحیث یتصور نفسھ كبدایة
مطلقة. وعلى العكس من ذلك یدرك الشخص الأخلاقي أنھ لا یوجد إلا بالمشاركة". إن الشعور
الأخلاقي یفرض حسب غوسدروف،الإیمان بأن العالم لیس فضاء للذات وحدھا، وإنما ھو فضاء
لتلاقي ذوات كثیرة، تتعاون جمیعھا من أجل الوصول إلى غایة واحدة، وھي خدمة القیم الإنسانیة
النبیلة والعف في مقابل ذلك عن كل فكر أناني ومتوحش".
یورغن ھابرماس:الشخص یستمد قیمتھ من قدرتھ على التبریر العقلاني لأفعالھ
یدافع الفیلسوف الألماني یورغن ھابرماس في كتابھ "أخلاقیات المناقشة" على أن قیمة
الشخص/الفاعل لایستمدھا في عالم مابعد الدولة-الأمة من انتمائھ الجغرافي أو السیاسي أو الدیني أو
العرقي أو من مكانتھ الإجتماعیة، بل من قدرتھ على تبریر أفعالھ الأخلاقیة والسیاسیة والإقتصادیة
تبریرا عقلانیا لباقي الذوات التي یتقاسم معھا الفضاء العمومي، إن ھابرماس ینطلق من نقده الشدید
للشخص الأخلاقي المستقل الذي یشرع لأفعالھ الأخلاقیة بمعزل عن باقي الذوات كما ھو الأمر في
التصور الكانطي، فالأخلاق غیر كافیة للنظر إلى الشخص باعتباره قیمة بل لابد أن یستمد الشخص
قیمتھ من خلال القوانین التي یجب أن تقوم علیھا دولة الحق والقانون، فالقانون ھو الوسیط الوحید
الذي یجب أن یستمد الشخص منھ قیمتھ في عالمنا الیوم. ومن قدرتھ على استخدام عقلھ استخداما
نقدیا في جمیع المجالات العمومیة دون أي تأثیر من طرف السلطة.
كارل ماركس:الشخص مجرد وھم برجوازي ولا قیمة لھ في النظام الرأسمالي
ینظر كارل ماركس لقیمة الشخص من منظور طبقي محض، فالشخص عند كارل ماركس ھو
عبارة عن وھم برجوازي ولا یحمل أیة قیمة في ذاتھ كما تصوره الفلاسفة بل یستمد قیمتھ في ھذا
النظام انطلاقا مما ینتجھ، لكن رغم ذلك یعاني من أبشع أسالیب الاستغلال مادامت وسائل الإنتاج
في ید الطبقة الرأسمالیة، ولكي تكون للأفراد قیمة لابد من تحررھم عن طریق الوعي الحقیقي لجمیع البرولیتاریین بموقعھم الطبقي من وسائل الإنتاج، وبالتالي فالثورة ھي الطریق الوحید للقضاء
عن ما یعوق تحرر الأفراد وبروز شخصیاتھم، وبالقضاء على النظام الرأسمالي وبناء المجتمع
الشیوعي سیصبح للفرد قیمة یستمدھا من وجوده الواقعي في موقع یجعل منھ مالكا لوسائل الإنتاج.

الشخص بین الضرورة والحریة

تقدیم عام:
یستمد النقاش الفلسفي حول حریة الشخص قیمتھ من التصورات الفلسفیة الكلاسیكیة التي أعلت
من قیمة الأبعاد الجوھریة في الشخص بكونھ مفكرا وعاقلا وأخلاقیا وحقوقیا وإیكولوجیا...، وھو ما
قوضتھ العلوم الإنسانیة بمختلف مقارباتھا السیكولوجیة والسوسیولوجیة والأنثربولوجیة التي ركزت
في دراساتھا على الحتمیات التي تقید الفعل الإنساني وھو ما فرض إعادة النظر في مجمل
التصورات الفلسفیة التي نظرت للشخص باعتباره حریة مطلقة، فإذا كنت أمیز نفسي بكوني كائن
حر، وحریتي نابعة من إرادتي العاقلة التي تمنحني الحق في الاختیار والتمییز بناءا على وعیي
التام بھذا الإختیار فإنھ في مرات عدیدة أجد نفسي في مواقف أتصرف فیھا أو أسلك فیھا انطلاقا
من إكراھات داخلیة(نفسیة/ بیولوجیة) أو خارجیة (اجتماعیة وسیاسیة وقانونیة وثقافیة –بالمعنى
التایلوري الشامل لمفھوم الثقافة-).وھكذا فالتفكیر في موضوع حریة الشخص بشكل خاص ھو
أصلا تفكیر في الإنسان ككل، والعكس صحیح، من ھنا نفھم الدلالة العمیقة لما قالھ غرامشي:
عندما اعتبر أن السؤال "ما الإنسان؟" ھو في الأصل سؤال عن مصیر الإنسان، أي: ھل یمكن أن
یتحكم ویسیطر الإنسان على مصیره الخاص؟ ھل ھو حر بما یكفي؟ وھل یمكن أن یصبح حرا
أكثر، وبالتالي ما السبیل إلى تقلیص الموانع وتوسیع دائرة حریتھ؟.
یمكن أن نعرف حریة الشخص سلبا باعتبارھا غیاب للإكراه، وإیجابا باعتبارھا فعل كل ما
یریده ھذا الشخص، فالتفكیر في حریة الشخص وممكنات فعلھ، وكذلك حدود ھذه الأفعال، ھو لیس
تفكیر في الحریة بشكل محض أو في الضرورات التي تعیق الفعل الانساني، بل تعمیق للنظر في
ھذا الإنسان بالضبط. فھل ھذا الشخص حر حریة مطلقة في أفعالھ وسلوكاتھ ومواقفھ أم أنھ مجبر
ومقید بحتمیات ثقافیة واجتماعیة ونفسیة؟ وماذا یعني القول بحریة الشخص؟ ھل یعني التصرف
وفق رغباتھ ومیولاتھ الذاتیة أم یعني التصرف في دائرة الحقوق التي تتیحھا لھ القوانین
والمعاییر الوضعیة الإجتماعیة؟.
تحلیل نص جون بول سارتر: مقتطف من كتاب "الوجودیة نزعة إنسانیة" ص 42-43
/النص مكتوب عند التلامیذ في الجھة الخاصة بالتمارین
ینطلق سارتر في بدایة النص من التأكید على أن الفلسفة الوجودیة لا تنفي وجود الله
كأساس میتافزیقي حینما تؤكد على حریة الإنسان المطلقة بل تعتبره نقطة ارتكاز بالنسبة
لوجود لإنسان.
ینتقل سارتر لیبین أن الوجودیة تعتبر وجود الإنسان سابق على ماھیتھ، وھو ما یعتبر
نقدا للتصورات الفلسفیة التي تؤكد على وجود طبیعة إنسانیة معطاة بشكل قبلي، فالإنسان
یوجد أولا عند سارتر ثم یصنع ما یرید بنفسھ لاحقا. 

یمر سارتر إلى التأكید على أن الإنسان حر حریة مطلقة، فالحریة ھي ماھیة الفعل
الإنساني.
ینتھي سارتر إلى التأكید على أن حریة الإنسان المطلقة تجعلھ مسؤولا عن أفعالھ
مسؤولیة تامة وبالتالي فلا مجال للأعذار أو التبریر أو الإنفعالات لأن الإنسان مسؤول عن
أفعالھ وإنفعالاتھ ولدیھ سلطة تامة علیھا.
تصور جون بول سارتر:الشخص حر حریة مطلقة ومسؤول مسؤولیة تامة عن أفعالھ
واختیاراتھ
ینظر سارتر في كتابھ الأساس "الوجود والعدم" وكتابھ "الوجودیة نزعة إنسانیة" للوجود
الإنساني باعتباره فعلا acte ولیس حالة état لأن الوجود في صمیمھ عند سارتر ھو انتقال من
الإمكانیة إلى الواقعیة وھو ما یعني بحریة الإرادة الإنسانیة عند سارتر، فالوجود الطبیعيDasien
الممنوح لنا قبل أي مجھود شخصي لا یحیل إلى واقعة تجریبیة بل ھو وجود لا ینفصل في ماھیتھ
عن فعل الحریة الذي یقوم بھ الإنسان ویعبر عنھ من خلال فعل الإختیار، فأنا من أختار نفسي
وأحدد مصیري و أخلق ذاتي، لأن الوجود عند سارتر متماه مع الإختیار، فالوجود في العمق لیس
إلا فعل اختیار یقدم علیھ الشخص، فإذا كان دیكارت یقول "بأنا أفكر، فأنا إذن موجود" بینما في
الوجودیة یصبح الكوجیطو الوجودي ھو "أنا أختار، أنا موجود"الإنسان عند سارتر حر حریة
مطلقة مادام یرفض تقبل تأثیرات التجربة تقبلا تلقائیا بل یتعالى على التجربة بواسطة فعل
الحریة الذي یمكنھ من اختیار ما یرید أن یكون علیھ، فالحریة عند سارتر لیست معطاة بشكل قبلي
وتلقائي بل الإنسان ھو من یساھم في تحقیقھا وخلقھا، فالإنسان لا یوجد حسب سارتر إلا إذا اختار
نفسھ بحریة عاملا على خلق ذاتھ، فالإنسان عند سارتر ھو قدرة على الفعل، لكن الإنسان عند
سارتر لا یمكنھ أن یقیم في صورة واحدة من صور الوجود التي یختارھا وھذا ما یرفضھ سارتر
بقولھ "من الخطأ أن یعتقد الإنسان أنھ لكي یوجد یكفي أن یختار ما یرید مرة واحدة، معتقدا أنھ
سیختار صورة نھائیة لا تقبل المراجعة بل ینبغي أن نتذكر على أن الإنسان یواصل سلسلة اختیاراتھ
دون أن یتحجر في صورة ثابتة مطلقة، ومعنى ھذا أنھ لكي یوجد المرء حقا فلا بد لھ من أن یعمل
باستمرار على تمییز الممكنات الحقیقیة التي ینطوي علیھا وجوده، وذلك بملاحظة "الموجود الجدید
الذي ینبثق من سلسلة أفعالھ السابقة، فالإنسان عند سارتر یتعالى على كل جبریة معینة، إنھ خاضع
فقط لحریة فعلھ واختیاره، فالإنسان عند سارتر قادر على اختیار شخصیتھ وماھیتھ لأنھ الكائن
الوحید الذي ینحصر وجوده في حریتھ أما باقي الموجودات فإنھا خاضعة لجبریة صارمة
بمقتضاھا تسیر أفعالھا، ویؤكد سارتر ذلك في كتابھ "الوجود والعدم" بقولھ"إنھ لیس في حیاتنا
عوارض أو ظروف خاصة، فأي حدث جمعي یقع في حیاتنا لا یمكن اعتباره حدثا مفاجئا قد صدر
من الخارج، ثم تلبس بنا مجرد تلبس:"إن الحرب التي جندت لھا ھي حربي أنا فھي صورتي
ومثالي، وھي الحرب التي أستحقھا، وھذا ما عبر عنھ جیل رومان ROMAINE JULES بقولھ" 

لیس في الحرب ضحایا بریئة" فأنا إذن مسؤول عن تلك الحرب، لأنني ما دمت لم أتخلف عنھا
فكأنني أردتھا، وتبعا لذلك علي تحمل مسؤولیتي تجاه الخیارات التي أقدم علیھا وھو ما یؤكده
سارتر بقولھ "إنني مسؤول عن كل شیئ، ومسؤولیتي تمتد حتى على تلك الحرب التي اشتركت
فیھا،كأنني أنا الذي أعلنتھا" ما یمكن الخلوص إلیھ بوضوح مع سارتر ھو كون الشخص حر
حریة مطلقة لكنھ مسؤول في نفس الآن عن أفعالھ واختیاراتھ لأنھ ھو الوحید الذي اختارھا بمحض
إرادتھ وھو ما یوضحھ سارتر في "الوجودیة نزعة إنسانیة" بصریح القول:" وھكذا فإننا لا نجد
خلفنا ولا أمامنا في المیدان الإنساني قیما ولا تبریرات أو أعذارا. نوجد وحدنا من دون أعذار.
وھذا ما أعبر عنھ بالقول"الإنسان محكوم علیھ بالحریة" محكوم علیھ لأنھ لیس ھو من خلق
نفسھ، في حین أنھ مع ذلك یكون حرا، لأنھ بمجرد ما یلقى بھ في العالم یكون مسؤولا عن كل ما
یفعل. ولا یقر الوجودي بسلطان الإنفعال. إنھ لن یتصور أبدا انفعالا جمیلا قد أصبح سیلا جارفا
یؤدي حتما بالإنسان إلى أفعال معینة فیكون ذلك بمثابة العذر. إنھ یعتبر الإنسان مسؤولا عن
انفعالھ".
البنیة الحجاجیة للنص:
لكي یقنعنا سارتر بأطروحتھ فقد انطلق في بدایة النص من توظیفھ لحجة بالسلطة حیث نجده
یستشھد بالكاتب الروسي العظیم دوستوفسكي لكي یبین الأساس الذي تنطلق منھ الفلسفة الوجودیة
ویتجلى ذلك في قولھ "وقد كتب دوستوفسكي:"إذا كان الله غیر موجود یصبح كل شيء مباح وھنا
تكمن نقطة بدء الوجودیة"كما وظف سارتر أسلوب النفي الذي ھدف من خلالھ إلى نفي أي وجود
لحتمیة أو قھریة خارج الفعل الإنساني في قولھ"لیست ھناك حتمیة"، كما وظف سارتر أسلوب
التأكید في قولھ "فالإنسان حر، بل إنھ حریة" لیبین منھ أن ماھیة الإنسان تتشكل في كونھ حرا قادر
على اختیار ما یرید أن یكون علیھ.
موقف كارل ماركس:الفعل الإنساني تعبیر عن الموقع الطبقي ولیس عن الجانب الإرادي في
الانسان.
إذا كان سارتر یرى أن الشخص حر حریة مطلقة وبكونھ مسؤولا عن اختیاراتھ وأفعالھ فإن
ماركس ینظر للشخص باعتباره مقید بجملة من الحتمیات وأبرزھا الحتمیة الاقتصادیة في النظام
الرأسمالي التي تطرح مجموعة من التناقضات بین من یملكون ومن لا یملكون، وبالتالي ففعل
الإنسان وسلوكھ مقید بموقعھ الطبقي من وسائل الإنتاج لأن الناس حین یعبرون أو یسلكون حسب
ماركس فإنھم یسلكون ویتصرفون انطلاقا من تمثلھم لوجودھم المادي، وعلى ھذا الأساس فالمحرك
لسلوكات البرجوازي لیس ھو ما یحرك فعل البرولیتاري، وبالتالي فالإنسان في المجتمع الرأسمالي
یعیش وھم الحریة، وھو ما یعززه الفیلسوف الألماني تیدور أدورنو بقولھ "لیست الحریة ھي أن
تختار بین الأبیض والأسود بل الحریة ھي أن تتفادى الخیارات المحددة بشكل مسبق من طرف 

النسق" لكن رغم الحتمیة الاقتصادیة التي تقید فعل الإنسان في المجتمع الرأسمالي إلا أن ماركس
یرى بأن الشخص یمكنھ أن یكون حرا ولكن في المجتمع الشیوعي الذي یتم على مستواه القطع مع
جمیع التناقضات الإجتماعیة.
تصور الان تورین: الذات الفاعلة تكون حرة في صراعھا مع أشكال التحكم السلطویة من أجل
الحصول على الحریة
في كتابھ الموسوم "برادیغما جدیدة لفھم عالم الیوم" یناقش آلان تورین الذات الفاعلة وعلاقتھا
بالحتمیات الإجتماعیة موجھا نقدا لكل التصورات المیتافیزیقیة التي نظرت للإنسان من خلال دوره
الاجتماعي(ھربرت مید مثلا) أو من خلال التزامھ بقضایا عمومیة(مونیي) أو من خلال فردانیتھ
(ایركسون) بل یدافع الان تورین على كون الشخص كجوھر أو كوجود فردي في عالم صوري
خالص لم یعد مقولة قادرة على مقاومة الابتذال الیوم الذي یعرفھ العالم الیوم، وكذلك الانحرافات
التي أدى إلیھا تطور الحداثة الغربیة، كما وجھ الان تورین نقدا لاذعا للفلسفة الدیكارتیة التي تنظر
لحریة الإنسان من خلال قدرتھ على الانعزال والتحكم في الرغبات والأھواء بل تكمن حریة
الشخصPERSONNEالذي عوضھ الان تورین بالفاعل acteur’l أي بالذات الفاعلة التي تكمن
حریتھا في فعلھا المقاوم لكل أشكال الابتذال والتحكم التي تفرضھا وسائل الإعلام والثقافة
الجماھیریة وأنظمة السلطة، فالفاعل acteur’l لا یستمد حریتھ من خلال وعیھ بفردانیتھ لأن
الفردانیة ھي مقولة إیدیولوجیة غایتھا عزل الأفراد من أجل التحكم بھم.
فحریة الذات الفاعلة عند الان تورین تستمدھا من خلال "الصراع ضد نقیض الذات وأشكال
منطق السلطة"على حد قولھ، إن ما یؤكد علیھ الان تورین ھو أن الذات لا تكون حرة إلا إذا
قاومت عالم الاستھلاك وكل وسائلھ الإیدیولوجیة وفي ھذا الصدد یقول الان تورین في كتابھ
"برادیغما جدیدة لفھم عالم الیوم":"إنني أحدد الذات الفاعلة بمقاومتھا عالم الاستھلاك اللاشخصي
أو عالم العنف والحرب، إن الذات الفاعلة ھي استحضار للذات، ھي إرادة العودة للذات بعكس تیار
الحیاة العادیة، إن فكرة الذات الفاعلة تستدعي إلى خاطري فكرة النضال الإجتماعي، إضافة إلى
فكرة الوعي الطبقي والشعور القومي في مجتمعات سالفة، لكن بمضمون مختلف ینأى على كل
تمظھر خارجي، ویتجھ مع بقائھ صراعیا نحو الذات بالكامل، لذا كان أول ما خطر ببالي من أجل
توضیح فكرة الذات الفاعلة صور المقاومین، صور المقاتلین من أجل الحریة".
فحریة الشخص لیست معطاة سلفا ولا یمكن الوعي بھا في معزل عن حركیة الواقع بل الذات
الفاعلة لا تكون حرة إلا من خلال نضالھا المستمر على جمیع المستویات الثقافیة والسیاسیة من
أجل الحصول على حریتھا. 


شارك المقال

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تعليقكم يعكس شخصيتكم ، دعونا نتمتع باللباقة في الكلام.

جميع الحقوق محفوظة ل السّوْدِي منذ يوم 7 أبريل 2015 ونحن بدعمكم مستمرين الآن 2021
close