8. الإيجابية في بناء فريق العمل - تأملات في السعادة والإيجابية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم

تأملات في السعادة والإيجابية

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم





8. الإيجابية في بناء فريق العمل


كل مسؤول وكل قائد وكل صاحب مشروع بحاجة لفريق عمل، بل يمكن أن نقول كل مجتمع وكل دولة وكل أمة بحاجة لفرق عمل التبني وتعمر وتتعاون وتنجز وتتشارك في فرحة الإنجازات، وتقف متوحدة أمام التحديات التي تواجهها. والسؤال، كيف يمكن أن نكون إيجابيين عند بناء فرق العمل؟


الإيجابية هي النظرة التي تشكل رؤية الإنسان لما حوله، فمن أي زاوية يجب أن ننظر لفرق العمل التي لدينا، البعض ينظر إليهم على أنهم صبية لا بد أن يتحمله لأنه بحاجة إليهم، وآخرون ينظرون إليهم على أنهم وسيلة لتحقيق أهداف سريعة سواء كانت شخصية أو مؤسسية، وآخرون تعرفهم هم -للأسف- في صراع دائم مع فرق عملهم وفي منافسة لإثبات الذات، البعض يختار فريق عمل ضعيف ليريح نفسه وليثبت لذاته ولغيره أنه هو الأفضل، والبعض الآخر يستمر بالبحث عن أخطاء الفريق وتضخيمها ليثبت لهم أنه دائماً على صواب، وأن الحكمة خلقت له وحده.

دائماً انظر لفريق عملك بإيجابية، واعمل على تحقيق السعادة لهم ليحققوا السعادة للمجتمع من حولهم.

                عندما تكون نظرتنا إيجابية لفريق عملنا ستتغير طريقة تعاملنا معهم،  وستتغير معها أيضاً الأجواء والبيئة التي يعمل فيها فريق العمل، وستتغير فاعلية ونتائج فريق العمل للأفضل دائماً.


عندما ننظر لأعضاء فريق العمل بأنهم هم العقول التي نفكر بها وأيدينا التي نعمل من خلالها، ستتغير طريقة تعاملنا مع هذه العقول والطاقات، وسنعمل جاهدين للحفاظ عليها وتنمية قدراتها ورفع مستوى كفاءتها.


عندما ندرك أن ذكاء الفريق دائماً أكبر من ذكاء الفرد، فسنكون دائماً بحاجة لهذا الذكاء لتحقيق إنجازات أفضل وأكبر وأكثر إبداعاً وتميزاً. عندما يتأكد كل عضو في فريق العمل بأن قوة الفريق هي قوة شخصية له، ويتأكد أيضاً قائد الفريق بأن قوة كل عضو من أعضاء الفريق هي قوة للفريق، سيزيد الإنجاز، وستتبدل الروح التي يعمل من خلالها الفريق.
سرعة القائد من سرعة فريق عمله، وقوته من قوتهم وذكاؤه محصلة ذكاء كل أعضاء الفريق. وكما لا يوجد زعيم من غير شعب لا يوجد أيضاً قائد من غير فريق، ولا يوجد إنجاز حقيقي من غير روح الفريق.


بحكم عملي ألتقي سنوياً آلاف فرق العمل في كافة المجالات سواء اقتصادية أو خدمية أو تعليمية أو صحية أو سياسية أو حتى عسكرية. وبصرف النظر عما إن كانت هذه الفرق حكومية أو خاصة، تسعى للربح أو تسعى لخدمة المجتمع والوطن، فإن روح الفريق الإيجابية ونظرة القائد الإيجابية هما اللتان يحكمان نجاحها.


                ألتقي أحياناً بعض الشكاوي عبر موقعي الإلكتروني وعبر وسائل التواصل الاجتماعي من موظفين يشتكون من بيئة عملهم. وعندما نبحث عن السبب، نجد قائد الفريق وقد أهمل الكثير من الجوانب الإيجابية التي يمكن أن تحفز موظفيه أو تسمح لهم بإطلاق إمكاناتهم الكامنة أو توجه طاقاتهم نحو أهداف محددة، وفرق العمل نفسها إذا وجهناها توجيهاً صحيحاً، أو تغيير قائدها تراها وقد تغير إنجازها بالكامل.

فرق العمل تستطيع أن تحقق المعجزات إذا وفرنا لها البيئة الإيجابية والمحفزة وأعطينا أعضاء الفرق الصلاحيات، ووثقنا بهم.


أذكر أننا قبل عدة سنوات قررنا بدء العمل في مجال الأقمار الصناعية، وكان الهدف البعيد لنا أن تقوم الإمارات بتصنيع الأقمار الصناعية بنفسها.


                استدعينا بعض الشباب، وشكلنا فريق عمل، ووضعنا لهم هدفاً واضحاً ومحدداً، وقلنا لهم، هدفنا أن تتعلموا من الأفضل عالمياً، ثم نريد بعد عدة سنوات أن تصنعوا بأنفسكم الأقمار الصناعية.


ذهب أولئكك الشباب وتغربوا ليدرسوا في كوريا الجنوبية لعدة سنوات، ثم بنوا أول قمر صناعي بالتعاون مع الكوريين. والثاني بنوه بشكل أكبر هنا، ولكن أيضاً بالتعاون مع دول أخرى. والآن هم يعملون على تصنيع أول قمر صناعي عربي بالكامل بأيدٍ إماراتية، وسيطلقونه في عام 2017 بإذن الله، بل أكثر من ذلك، فهم يعملون الآن على مشروع فريد من نوعه وهو الوصول بدولة الإمارات للمريخ عام 2021 عن طريق مسبار الأمل. وبالمناسبة متوسط أعمارهم 27 و28 سنة، وهم موظفون حكوميون أيضاً. 

فريق عمل حكومي يستطيع الوصول للمريخ، وفريق عمل حكومي آخر لا يستطيع أن ينجز معاملات ورقية! ما السبب في رأيكم! السبب هو القائد وبيئة العمل التي يوفرها لفريقه سواء كانت إيجابية أو سلبية، وروح الفريق التي تجمع كافة الأعضاء لتحقيق رؤية موحدة بكل إخلاص وتفانٍ.

                لدي عادة مع فريق عملي في مجلس الوزراء، حيث أعقد لهم خلوات وزارية بين فترة وأخرى نناقش فيها خططاً إستراتيجية جديدة أو مبادرات نوعية أو تحديات غير مألوفة، ومن عادتي أن نقضي النهار في اجتماعات، والمساء في أنشطة ترفيهية مع الوزراء. لامني مرة أحد الأصدقاء على الأنشطة الترفيهية، فقلت له: هذه النشاطات أهم عندي من الاجتماعات لأنها تبني روح الفريق، هم إخواني وفريق عملي، وليسوا موظفين تنتهي علاقتي معهم بنهاية الاجتماعات والحمد لله على مدار أكثر من 10 سنوات، بنينا علاقة مميزة وفريق عمل ناجح.

دائماً انظر لفريق عملك بإيجابية، وامنحهم طاقة إيجابية، وارفع معنوياتهم، واعمل أيضاً على تحقيق السعادة لهم ليحققوا السعادة للمجتمع من حولهم.

(سرعة القائد من سرعة فريق عمله، وقوته من قوتهم، وذكاؤه محصلة ذكاء كل أعضاء الفريق).

(فريق عمل يستطيع الوصول للمريخ، وفريق آخر لا ينجز معاملات ورقية! السبب القائد وبيئة العمل).

Comments

تعليقكم يعكس شخصيتكم ، دعونا نتمتع باللباقة في الكلام.

أحدث أقدم