U3F1ZWV6ZTM1ODExMzM2OTg5NzM3X0ZyZWUyMjU5Mjg4ODAxMDI2NA==

21. تجديد الإيجابية .. تجديد الطاقة - تأملات في السعادة والإيجابية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم

تأملات في السعادة والإيجابية

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم







21. تجديد الإيجابية..

تجديد الطاقة


كيف تجدد طاقتك؟ كيف تبقى نشيطاً دائماً بهذا الشكل؟ ألا تتعب من كثرة الاجتماعات والمتابعات والزيارات والاستقبالات في اليوم نفسه؟ كيف تستطيع أن تقطع 1860 كيلومتراً على ظهر خيلك ثم تتابع عملك، واجتماعاتك ولقاءاتك لبقية اليوم حتى المساء؟


تتكرر علي هذه الأسئلة بين وقت وآخر، فأبتسم وأحياناً أضحك من مبالغة الناس في تصور النشاط والطاقة الذين أمتلكهما، لأنني لا أعتقد أن لي طاقة خاصة أو نشاطاً زائداً عن بقية الناس، بل مشاغل أكثر ومسؤوليات أكبر.


وبصراحة لا أجد وقتاً لممارسة الكثير من الأنشطة التي يمكن أن تجدد الطاقة، ولكني أعتقد بأن حرصي على شيئين في حياتي يعطيني باستمرار طاقة وراحة وتجدداً في النشاط.


الشيء الأول الصلاة. أكثر ما يجدد طاقتي بشكل يومي هو الصلاة خمس مرات في اليوم، تتواصل النفس مع خالقها والروح مع بارئها يستسلم الإنسان لربه، ويسلم له حوله وقوته، ويلجأ فيها لملك الملوك وصاحب الجبروت، فكيف لا ترتاح النفس بعد هذا التواصل؟


لا أؤخر صلاتي بل أصليها في وقتها، حيثما كنت في مكتبي، في سفري، خلال ممارسة هواياتي، بعد اجتماعاتي الرسمية. قدر استطاعتي لا أؤخر الصلاة
                الصلاة فهي الصلة بيني وبين ربي، وخالقي فاطر السماوات والأرض.


الصلاة تجدد طاقتك وتسمو بروحك، وتشرح قلبك، وتنير صدرك، وتستعين بها على جميع ما يواجهك. يقول سبحانه: "استعينوا بالصبر والصلاة". فكيف لا أرتاح بعد الصلاة وكيف لا تتجدد طاقتي؟ بل حتى الوضوء يريح اليدين والنفس ويجدد الطاقة، فسبحان الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى.



في الصلاة تنقطع عن الدنيا ومشاغلها بشكل مؤقت، ما يعيد للنفس توازنها وللروح صفاءها، ويرسخ إيماننا بخالقنا وثقتنا به وتوكلنا عليه في كل أمورنا. فكيف لا نرتاح بعد كل صلاة؟

الشيء الثاني الذي أداوم عليه بشكل مستمر أيضاً، وأعتقد أن له دوراً كبيراً في شحذ الهمة والعزيمة وتجديد الطاقة، هو التأمل. أمشي بشكل يومي ما يقارب 10 كيلومترات وحدي في الصحراء وأستغل هذا الوقت في التأمل، وبالمناسبة، التأمل رياضة روحية وذهنية لا يستغني عنها أي قائد، التأمل أثناء المشي له تأثير كبير في تحفيز الأفكار وتوليد الإبداع، ومراجعة النفس.


ولعل التأمل والتفكير ليس بغريب علينا حيث إنه جزء من ثقافتنا ومن ديننا. أمرنا القرآن بالتفكر والتدبر والتبصر والتذكر والنظر في ملكوت السماوات والأرض، وكل ذلك لحكمة عظيمة، تعرف من خلالها هذا الكون وعظمة خالقه، ونتفكر أيضاً في أنفسنا وأعمالنا وقراراتنا ونظرتنا للحياة، فتتوازن النفس، ويستقيم الفهم، وترتفع الهمة، وتتقوى العزيمة.



أمرنا ربنا في التفكر بالكون وآياته ومخلوقاته، حتى في الإبل، قال عز وجل: "أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت"، والتفكر عبادة وراحة وطريق للعمل وشحذ الهمة، وهو أيضاً مصدر إلهام شعري لي بشكل خاص، حيث تأتي أغلب الأفكار الشعرية الجميلة أثناء ممارسة التأمل في الصحراء.


النقطة المهمة هنا التي أريد أن أؤكد عليها هي العلاقة المباشرة والمتلازمة بين الإيجابية والتأمل. الإيجابية في النهاية، وكما عرفناها في هذا الكتاب، هي فكرة أو مجموعة من الأفكار؛ هي تغيير الزاوية التي ننظر من خلالها للكثير من الأمور حولنا، وأيضاً للناس الذين حولنا،  وللأحداث التي تفاجئنا والتحديات التي نمر بها، لا بد أن يكون لدينا الوقت اللازم للتأمل والتفكر، وتغيير زوايا تفكيرنا في هذه الأمور جميعها لنكون إيجابيين.



الجميع يحتاج لوقت يختلي فيه بنفسه لينقي عقله من الأفكار السلبية، ويزرع فيه أفكاراً إيجابية، وإلا سيطرت عليه أفكار من حوله، وكان قد سلم عقله وفكره لغيره يزرع فيه ما يشاء من الأفكار، وهنا تأتي أهمية استقطاع وقت من الجدول اليومي للتفكر والتأمل في كل ما تراه حوولك، وما يدور أيضاً في نفسك، التأمل هو الوسيلة الوحيدة لاتصال الإنسان بدواخل نفسه.


التأمل يقود للفهم، والفهم يقود للحكمة، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها. من تجربتي رأيت أن التأمل يعطي الأشياء حجمها الطبيعي، ويعطي الأفكار وزنها الحقيقي، ويفتح العقل على آفاق ومساحات أكثر وأكبر وأغنى وأجمل.



يحتاج كل قائد ناجح لمساحة يومية من التفكر والخلوة مع النفس، لأنهما يوضحان لك الحقائق كما هي، من غير بهرجة أو هالات زائفة، حقيقة نفسك، حقيقة ما حولك ومن حولك، حقيقة العالم الذي نعيش فيه. كل شيء في حجمه ومكانه الصحيح، فتتوازن النفس، وتتعمق البصيرة وتزداد رؤيتك وضوحاً، وتسمو نفسك، وترتفع همتك،  وتتجدد طاقاتك.



هذه تجربتي الشخصية مع الصلاة والتأمل في تجديد الطاقة وترسيخ إيجابيتي في الحياة. لست خبيراً في هذه المجالات، ولعل هناك من المتخصصين الذين لديهم تقنيات وأساليب أخرى في هذه الجوانب، ولكنها خبرة شخصية أحببت نقلها لمن يكرر سؤاله علي، كيف تجدد طاقتك؟

(في الصلاة تنقطع عن الدنيا ومشاغلها، ما يعيد للنفس توازنها، وللروح صفاءها).

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

تعليقكم يعكس شخصيتكم ، دعونا نتمتع باللباقة في الكلام.

الاسمبريد إلكترونيرسالة