U3F1ZWV6ZTM1ODExMzM2OTg5NzM3X0ZyZWUyMjU5Mjg4ODAxMDI2NA==

20. الأسرة الإيجابية - تأملات في السعادة والإيجابية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم

تأملات في السعادة والإيجابية

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم






20. الأسرة الإيجابية


قد يتعجب البعض من كتابتي عن الأسرة في كتاب يتعلق بالدروس القيادية التي يمكن أن نتعلمها من مفهوم الإيجابية. ولكن إن قررت أن تقود أمة ناجحة فابدأ بأول لبنة، ابدأ بالأسرة ولأكون دقيقاً أكثر ابدأ بالأم. لا يمكن تخيل أمة ناجحة من دون أمهات مثابرات، ولا يمكنني تخيل قادة عظماء من دون أمهات عظيمات، ولا يمكن أن يكتمل البنيان وأن يرتفع الإنسان في أي أمة من دون أسر متماسكة متحابة مترابطة.




ما زلت أذكر بداية شغفي بالخيول حين كنت صغيراً وبداية العلاقة بيني وبينها التي أوصلتني لأن أصبح من أكبر ملاكها وأكثرهم فوزاً بسباقاتها.



البداية كانت حبي لفرس كانت تملكها العائلة، لاحظت أمي أنني كنت أرجع من مدرستي جائعاً رغم أنها كانت تصنع لي وجبتي كل صباح وعندما واجهتني أخبرتها بأنني أتقاسم الوجبة مع فرسي، نصفها لي والنصف الآخر لها.




لم تعاتبني أمي ولم تلمني أبداً بل ابتسمت وباتت تصنع لي وجبتين كل يوم، واحدة لي وأخرى للفرس، ووصلتني رسالتها بأن الخيل تستحق أن نتقاسم معها وجبتنا وطعامنا ووقتنا وأيضاً حيناً، ولو كانت أمي لامتني وعنفتني يومها وأنا صغير، لا أعرف كيف سيكون الدرس الذي أتعلمه منها. ولكن ما أعرفه أنني أذكر ذلك الموقف بمحبة حتى يومنا هذا.



الأم هي المدرسة الأولى والدرس الأول وهي الحب الأول أيضاً، لا توجد وظيفة في الكون أعظم من وظيفة الأم ولا توجد إنجازات أعظم من إنجازات الأمهات في صناعة القادة الناجحين والمخترعين. العظماء والرجال المبدعين، بعض المشاريع تستمر أشهراً أو سنة أو سنتين ولكن مشاريع الأمهات يستمر كل واحد منها العمر كله، وتستمر الأمهات بكل إخلاص وتفانٍ في مشاريعهن رغم عدم ضمان النتيجة.



تستمر الأم لأن ما يقودها ليست رابطة الدم فقط بل رابطة الحب، وليس عقد عمل بل قلب عقد على الرحمة والمحبة والحنان الذي لا ينتظر مقابلاً.




تستطيع الأم أن تعرف أي إنسان سيكون ابنها بعد عشرين عاماً من تصرفاته وسلوكه وهو صغير، وتستطيع أيضاً أن تغير ذلك السلوك لتغير الإنسان الذي سيخرج للمجتمع بعد عشرين عاماً، هل رأيتم وظيفة أعظم من هذه؟ عندما نربي اليوم أولادنا نكتشف حجم الجهود الجبارة التي بذلتها أمهاتنا.




ما زلت أذكر وأنا صغير أمي وهي تحاسبني كثيراً على عدم اكتمال وضوئي للصلاة، والتأكد من وصول الماء للمرفقين، ومن غسل رجلي حتى الكعبين، ومن وصول الماء إلى وجهي حتى حدود الأذنيين، فكان ذلك سبباً لاهتمامي بصلاتي ومحافظتي عليها حتى اليوم.


الأم تعطي بلا حدود وتحب بلا مقابل، وتصبر بلا نهاية. في القرآن تأتي الوصية بالوالدين بعد عبادة الخالق مباشرة ويأتي ذكرهما أيضاً مقروناً بشكر الخالق، أي عظمة وقداسة للأسرة أكبر من ذلك!
جاءتني قبل فترة إحدى الأمهات تشتكي عقوق ولدها، وأنه طردها من بيتها بعد أن ربته صغيراً يتيماً. لم أتحمل ما حل بها من ظلم فطلبت من يأتي بابنها فوراً ليعاقب على فعلته، وليكون عبرة لغيره، فلما رأت غضبي وسمعت أمري، تحرك قلبها ورفضت مشاعرها على ابنها وطلبت مني العفو عنه ومسامحته، وهكذا هو قلب الأم، تحركت مشاعري يومهفكتبت هذه القصيدة:

جت تشتكي لي من ولدها حزينة
مجروحة الخاطر ظلمها ولدها
كانت تظن أنه لديه الضنينة
ياللي تحسبه قطعة من جسدها
وعادت عقب جرح الأماني طعينة
بجروح ما تحصي الليالي عددها
تقول ربيته وكنت الأمينة
من عقب أبوه اللي المنية وردها
يتيم ما له معين يعينه
طفل ونفسه توها في مهدها
خدمت في بيوت العرب لأجل عينه
يا ليت توفيني الليالي عهدها
شب وكبر يوم الوعد طاب حينه
وكل عين لا بد أترجا وعددها
توقفت ودموعها مستكينة
تجري بحسرات تزايد كمدها
واسمع لها صوت تزايد حنينه
يوم إنه من بيته تمادى وطردها
ثارت بنفسي بعد صمت وسكينة
روح لوقع الضيم يطول سهدها
حقك ولو عند الأسد في عرينه
لازم أرده ولا أبالي بأسددها
وناديت للي يسحبه من يدينه
وأنا سند للي ضعاف سندها
وقطع حديثي صوتها مستعينة
وشيه تساوي وعاذلتني وحدها
أمه أنا يا سيدي لا تدينه
والأم ما تجسى على فلذة كبدها
يا كبر قلب الأم ما به ضغينة
عفت بقدره وسمحت من جحدها



الأسرة الإيجابية المتحابة المترابطة أساس استقرار وسلامة وتطور المجتمعات، الأسرة هي رمز لتتابع الأجيال واتصال الماضي بالحاضر، والحاضر بالمستقبل، الأسرة هي الجسر الذي يربطنا جميعاً برباط الأخوة الإنسانية وصولاً لأبينا جميعاً آدم عليه السلام.


الأمة الإيجابية في النهاية أسرة واحدة تفرح لفرح أبنائها وتحزن لحزنهم وتتألم لألمهم وتشاركهم إنجازاتهم ويدافع كل فرد فيها عن كل شبر فيها كأنه كل ترابها.


الأسرة الإيجابية لا يخذل أفرا،دها بعضهم بعضاً ولا يتركون بينهم محتاجاً أو محروماً، وكذلك هي أيضاً الأمة الإيجابية.


الفقير غني بعائلته، والصغير كبير بعائلته، والضعيف قوي بعائلته، وكذالك الوطن الذي يجمعنا، نحن فيه أسرة واحدة تجعلنا جميعاً أقوى وأغنى وأكبر وأسعد.


الأسرة الإيجابية تقويك، تدعمك تواسيك، ترفعك وتعطي الحياة معنى أوسع وأجمل بعيداً عن الأنانية. لا أحد منا يختار أسرته، بل يختارها لنا الله. إنها نعمة من عنده.


ونحمد الله أنا في دولة الإمارات لدينا الأسر الكبيرة الممتدة التي يجتمع أفرادها بشكل عام ويتعاونون ويتعاضدون وحتى في سياساتنا الحكومية في الإسكان وغيره تعمل أيضاً على التأكيد على أهمية أن تسكن الأسر قريباً من بعضها لأنها المكون الأول، متعاضد ومتماسك ومتحاب.


إن التطور الذي يمر به مجتمعنا والحياة المرفهة التي تعيشها أجيالنا نعمة من الله. ولكن إذا تسبب ذلك في تفكك أسرنا وضعف التواصل بين أبنائنا، تحولت النعمة عند البعض إلى نقمة.


يزعجني كثيراً أن نسمع أحياناً عن بعض الأسر المتفككة أو نسمع أحياناً عن آباء وأمهات أهملوا أسرهم.
الأسرة الإيجابية تقويك تدعمك، تواسيك ترفعك، وتعطي الحياة معنى أوسع وأجمل بعيداً عن الأنانية وأقول للأب المشغول الأسرة أولاً وقبل كل شيء لأنها كل شيء، أموال الدنيا لا يمكن أن تشتري حنان الأبوين أو محبة الأبناء أو دفء الأسرة أو وجودك مع أبنائك، البعض يهتم ببناء بيته أكثر من بناء أسرته، ويستثمر في موظفيه أكثر من استثماره في أبنائه، البعض يحتاج فعلاً لإعادة جدولة استثمارات حياته بشكل أفضل وأجدى.


أقول للأم أيضاً إن أعظم وسام فخر ممكن أن تحصل عليه المرأة هو نجاحها في تربية أبنائها. وللأسف سمعنا من بعض النساء اللواتي يتنازلن عن هذا الوسام العظيم للخدم.


كل أب وأم سيحصدان خيراً أو سيدفعان ثمناً نظير مثابرتهما أو إهمالهما في تربية أبنائهما.


                الأسرة الإيجابية مؤسسة متكاملة، كل فرد فيها له دور، هي مؤسسة تحتاج لرعاية ومتابعة وتجدد، واهتمام مستمر من قائدها، الفرق الوحيد بينها وبين المؤسسة التقليدية أنها دائمة مستمرة ومربوطة برباط من الله عز وجل.


                أبناؤنا هم انعكاس لنظرتنا لهم، انظر إليهم نظرة إيجابية واغرس فيهم أنهم قادرون على النجاح وتحقيق المستحيل، وستحصد خيراً أو ازرع فيهم أنهم خلقوا فاشلين لا يصلحون لشيء وستحصد ذلك أيضاً. القرار يعود للآباء والأمهات ولنظرتهم الإيجابية أو السلبية. ليس هناك  أجمل ولا أنبل ولا أرقى من زوجين متحابين يكرسان حياتهما من أجل تكوين أسرة ناجحة، إن أعظم لحظات الإنسان هي حين ولادته، وحين لقائه شريك حياته، وحين قدوم أول طفل في حياته.


الأسرة الإيجابية حضن دافئ للصغير حتى يكبر، والمريض حتى يبرأ وللطالب حتى يتفوق، وللشاب حتى يحقق ذاته، وللشيبة الكبير حين تقعده الأيام. الأسرة الإيجابية هي التي لا تجمعها رابطة الدم بل رابطة الحب.

(الفقير غني بعائلته، والصغير كبير بعائلته، والضعيف قوي بعائلته، وكذلك الوطن الذي يجمعنا، نحن فيه أسرة واحدة).
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

تعليقكم يعكس شخصيتكم ، دعونا نتمتع باللباقة في الكلام.

الاسمبريد إلكترونيرسالة